رجوع ﻷعلى الصفحة

العرب والأفارقه ومأساة القرون الخاويه

بواسطة أمير عكاشة / منشور في الأحد, 10 يناير 2016 16:03 مساءً / لا توجد تعليقات / 57 المشاهدات
بقلم / أحمد العش

كتب – أحمد العش
عاشت أوروبا طيلة العصور الوسطى فى سبات من الجهل والتخلف السحيق ، وكانت السمة الغالبه على شعوبها وقتئذ هى ذروة الجمود الفكرى ، اما بسبب التقاليد الباليه للكنيسة البابويه من جانب ، أو الصراع المذهبى الملتهب بين الكاثوليك والأرثوذوكس من جانب آخر ، ولم تكن اوروبا وحدها التى تعانى من هذا التردى المرير ، فقد كانت معظم بلدان القاره الأسيويه على نفس منوال أوروبا ولكن بصور أخرى ، تتمثل فى شيوع الأديان والتى أدت الى التناحر الشديد بين المجتمعات الأسيويه ،بسبب تشبث كل مجتمع بطقوسه الدينية فهذا يقدس البوذيه وذاك يعظم الكنفوشيوسيه وآخر يمجد للهندوسيه الخ ، وفى ظل تنامى الانهيار الأوروبى الأسيوى كانت هناك حضارة عظيمة وشامخه ، تعزف بمفردها على أوتار التقدم وتتغنى يوما بعد الآخر بأبرع منجزاتها فى التنوير الحضارى على كل منحى ، كانت هذه هى الحضارة الاسلامية التى انبعثت روافدها من رحم جزيرة العرب وشمال وغرب أفريقيا ، كانت هذه الحضارة تقود البشرية بأثرها ، وكان لها اليد الطولى فى السيادة والريادة قرابة سبعة قرون كامله من عام 800 م الى العام 1500 م ، وقد كانت تلك القرون أيضا بمثابه اللمحة المشرقة والوضاءه فى كافه محاور الابداع والازدهار بكل ما تحمله الكلمه من معان ، فى خلال هذه القرون السبعة نمت حضارات عديدة نموا مضطردا فى كل أرجاء الدنيا وكان القاسم المشترك الأعظم فى تلك الحضارات هو العنصر الاسلامى الأصيل الذى استمد هذه البراعة الفائقه من آيات القرآن الكريم وكتب الأحاديث الصحيحه ، نعم كان القرآن والسنة النبوية هما مصدرى الالهام لبزوغ شمس حضارات المشرق ، ومدى تأيرها المذهل على المعمورة بأسرها ، فهذه هى حضارة الأندلس العظيمه التى امتد ضياؤها على غرب أوروبا طوال ثمانمائه سنة كامله ، وتلك هى حضارة السند بالهند وباكستان ، وهذه هى دوله العثمانيين العملاقة العتيقة ، وتلك هى دولة بنى زنكى بالشام ، وأخرى هى دولة بنى أيوب فى مصر والشام ، وهذه دولة المماليك فى نفس الاطار ، وهذه هى الدولة السلجوقيه فى أسيا الصغرى ، وفى أقاصى بلاد المغرب سطعتا دولتى المرابطين والموحدين ، وفى غرب أفريقيا ازدهرت امبراطورية مالى وامبراطوريتى كانم وبرنو بنيجيريا الخ ، ويعزى لتلك الحضارات سالفة الذكر الدور الدءوب فى دفع عجلة تقدم الانسانية الى الأمام ، من خلال الميراث الضخم من الانجازات والابتكارات والاختراعات النظرية والتطبيقيه ، غير أن هذه النهضة العربية الاسلامية الشامخه ، لم تسلم من تربص أعدائها الذين كانوا يفتكون بها بين الحين والآخر ، فما من حضارة اسلامية تسقط فى قبضة الأعداء ، حتى تنهض حضارة أخرى ، بيد أنه قد اختلفت الأيديولوجيات العدائيه فى تدمير الحضارة الاسلاميه العتيقة ، ما بين السحق والتدمير كما كان الحال مع الاجتياح التترى للخلافة العباسيه عام 1258م أو سقوط دولة الأندلس مأسوفا عليها عام 1492م ، وبين انتشال الأسس التى اتكأت عليها حضارة المشرق فيما عرف بنهب الميراث الفكرى والابداعى لحضارة العرب عشية احتلال جزيرة صقليه بأيدى النورمان عام 1091 م ، ولعلى أظن أن احتلال النورمان لجزيرة صقليه هو بمثابة حجر الزاويه فى نقل التراث الحضارى الاسلامى الى حوزة الغرب بالتدرج الزمنى ، وهذا ما أقرته السنوات اللاحقه عندما تجردت الحضارة العربية والاسلامية من كل دولها القويه ، ولم يعد موجودا على مسرح التاريخ سوى الخلافة العثمانية التى لم تستطع بمفردها أن تحافظ على التراث الاسلامى المجيد ، فى ظل تنامى وعى القوى الغاشمه والمعاديه من كل جانب ، مثل الغرب الصليبى الذى تجاوز آلام العصور الوسطى المظلمه ، فحضرت يقظته بعد أن احتدم الصراع المذهبى الدائر بين الكاثوليك والأرثوذكس ثم بلغ ذروه النضج عندما قام برأب الصدع بين الكاثوليك والمذهب البروتستانتى الجديد ، وشيئا فشيئا توحدت أوروبا واستفاقت من كبوتها الطويلة والمريره ، وراحت تسعى جاهدة لادراك السيادة المطلقه على العالم ، فتهيأ لها مأربها بداية من القرن الخامس عشر فيما عرف بميلاد عصر النهضة ، وفى الوقت الذى كانت فيه أوروبا وما نحوها من قارات العالم الجديد المسمى بالأمريكتين وأستراليا تجمعها روابط مشتركة فى العقيدة المسيحيه ومدى العمل على تقدمها ، كان العرب والمسلمين فى ترنح وتقهقر متتالى لنفس الأسباب التى عرقلت أوروبا فى الماضى ، ومن أهم أسباب انتكاسة الحضارة الاسلامية أيضا التمزق المذهبى الذى نتج عنه حزمة من الترهلات والمعضلات ، فضلا عن بروز عداء صريح من أطياف عديدة محسوبة على الاسلام ، مثل الخوارج والرافضه والدروز فكانوا هؤلاء ومعهم مرتزقة الأمريكان والتنظيم الماسونى وعباد الشمس والنار فى آسيا خناجر مسمومه فى طعن الحضارة العربية والاسلاميه ، ومن غير موعد وجد الغرب الصليبى نفسه أمام حضارة عملاقة على خلفية أول ثورة صناعيه فى التاريخ الحديث ، والتى يعزى لانجلترا الفضل فى قيامها فى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر ، وتعاظمت الفجوة بين أوروبا وأمريكا من جانب ، وبين العرب والأفارقة من جانب آخر ، لاسيما فى المجال التقنى والعلوم التجريبيه ، واذا كان الباحثين والعلماء الغربيون قد تدفقوا الى المراكز العلمية فى العالم الاسلامى ، ونهلوا العديد من العلوم التى اشتدت عليها سواعدهم فى التقدم بعدئذ ، الا أنهم عرفوا كيف يتقدمون وكيف يحافظون على هذا التقدم وكيف يجعلوا العرب والمسلمين فى تبعية دائمه ، وباطلالة عميقة على أخر خمسة قرون، سوف يتضح لنا جليا صواب هذه المعادله من خلال التعرف على بعضا من اختراعات الغرب وأمريكا ، ومنها على سبيل المثال اختراع المسدس والألة البخارية والقاطرة البخارية وماكينة الخياطة والرادار وسماعة الطبيب والنظارة الطبيه والتليفون والتليفزيون والراديو والمحمول واللاب توب ، وبعض الاكتشافات الطبية المهمه مثل الأنسولين والبنسليين ودواء السل والملاريا واكتشاف فصائل الدم والأشعه السينيه وأشعه جاما وتطور العلوم الجينيه الخ ، أما الحصاد العربى والاسلامى فينحصر فى احدى عشر عالما معظمهم لقى حتفه والبعض الآخر تجنس بجنسية أى دولة متقدمة ترعى العلماء وتقدر قيمة البحث العلمى ، لعلاقته الوثيقه بالأمن القومى ، ويا حمرة الخجل أن رصيدنا من العلماء فى آخر خمسة قرون ينحصر فى الأتى ، حسن كامل الصباح وعلى مصطفى مشرفه وسميره موسى وعبدالقدير خان ومحمد عبدالسلام ومنير فائقه وسلمان فائق وجعفر ضياء جعفر ومحمد النشائى ومصطفى السيد واحمد زويل وبالطبع لا يمكن المقارنه بين هذا العدد الهزيل وبين عشرات الالوف من علماء الغرب وامريكا بل والصين واليابان اللتان قفزتا بسرعة الصاروخ صوب التقدم التقنى وأحدثتا طفرة علمية غير مسبوقه ، وخلاصة القول هكذا نجحت أوروبا ونجحت معها الأمريكتين وأستراليا ونجحت النمور الأسيويه ولايزالون فى نجاح منقطع النظير ، وهنا أسال أين العرب والأفارقه فى هذه القرون الخاويه ؟ وأسال أيضا وبنبرة مقتضبة الى أى مدى سيظل هذا التفاوت بين العرب خصوصا والغرب عموما ؟؟؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *